السلام عليكم. كثيرًا ما تراودني تساؤلات غريبة، مثلًا عندما أرى اللون البنفسجي، هل غيري يراه بنفس الدرجة التي أراها؟ قد يبدو سؤالًا بسيطًا، لكنه يفتح الباب أمام فكرة أعمق تتعلق بكيفية إدراكنا للواقع، وخاصةً مفهوم "الزمن". اليوم سأتحدث عن موضوع أعتبره مهمًا للجميع، وهو ما يمكن أن نسميه فلسفة الزمان أو خدعة الوقت.
هل فكرنا يومًا في معنى "العصر" الذي يقسم به الله في كتابه؟ هل عندما يقال لك لديك موعد بعد شهر وأنا لدي موعد بعد شهر، هل نعيش هذا الشهر بنفس الطريقة؟ دعني أقرب الصورة أكثر. لو عرض عليّ دخول دورة مدتها ثلاثة أشهر، قد أقبل، بينما يراها آخرون طويلة ويرفضون. الأمر نفسه ينطبق على دراسة الطب لسبع سنوات. نرى هنا أن تعامل الناس مع الوقت يختلف رغم أن الساعة والدقائق هي نفسها. الزمن ليس معادلة رياضية ثابتة، بل هو لحظة إدراك واستيعاب وتصور وقناعة تختلف من شخص لآخر.
وهذه حقيقة أثبتها القرآن الكريم، يقول تعالى:
"قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ" [المؤمنون: 112-113].
وتأملوا معي هذه الآية الأخرى:"وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ" [الروم: 55].
ألا تلاحظون التباين في تقديرهم للوقت في هذه الآيات؟ هناك تقديرات مختلفة للمدة التي لبثوها. وهذا يدل على أنه لا يوجد توافق بينهم على المدة الزمنية. بعضهم يرى أنها يوم أو جزء من يوم، والبعض الآخر يقسم أنها كانت ساعة فقط. فهذه أول نقطة يجب أن نتفق عليها.صحيح أن حياتنا أصبحت مبرمجة على الأرقام، فالمدرسة تبدأ الساعة كذا والدوام الساعة كذا، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. وقد فطن لهذا كثير من المفكرين، فكما يقول المثل المنسوب لشكسبير: "إن الزمن بطيء جدًا لمن ينتظر، سريع جدًا لمن يخشى، طويل جدًا لمن يتألم، قصير جدًا لمن يحتفل". فشهر الدوام ليس كشهر الإجازة رغم أنهما نفس المدة الزمنية. وإذا تحدثت مع كبار السن، سيخبرونك أن الماضي يبدو أقرب مما تراه أنت. هذه هي خدعة الزمن التي يكتشفها الكبار ويقع فيها الصغار.
إن فهم هذه الفكرة له أهمية قصوى، فهو يؤثر بشكل مباشر على قراراتنا المصيرية في الحياة. أتذكر عندما نصحت صديقًا لي بشراء عقار تحت الإنشاء عام 2019. كان العقار يبدو واعدًا، لكن صديقي تردد لأنه رأى السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة كفترة طويلة. أنا اشتريت، وبعد انقضاء المدة، تضاعف سعر العقار، وتحسر صديقي على فوات الفرصة بسبب تصوره المختلف للوقت.
وأذكر قصة أخرى عن شراء أرض. اشتريت أرضًا مع صديق آخر ونصحته بعدم البيع قبل مرور خمس سنوات، متوقعًا ارتفاع الأسعار بناءً على مشاريع مستقبلية في المنطقة. لكنه رفض، معتبرًا الخمس سنوات فترة طويلة جدًا لا يرغب في تجميد أمواله خلالها. بعد مرور السنوات الخمس، ارتفعت أسعار الأراضي بشكل كبير، وتضاعف سعر الأرض التي اشتريتها، بينما لم يستغل صديقي هذه الفرصة بسبب "خدعة الزمن" وتصوره المختلف للمدى الزمني. وهذا يتكرر في قرارات أخرى، مثل رفض دراسة الطب بسبب سنوات الدراسة الطويلة، أو رفض وظيفة تتطلب فترة تدريب طويلة، أو حتى تأخير الزواج.
والآن، لنتحدث عن أحد الأسباب الرئيسية لهذه "الخدعة الزمنية"، وهو "النوم". عندما ننظر إلى المستقبل، نحسب المدة الزمنية كاملة، لكننا ننسى أن جزءًا كبيرًا من هذه المدة سنقضيه نائمين. فالثلاث سنوات ليست حقًا ثلاث سنوات كاملة من الإدراك الواعي.
حاسبة النوم
هذه الحاسبة البسيطة توضح لنا كيف أن جزءًا كبيرًا من حياتنا يمر ونحن في حالة لا وعي. أتذكر عندما أحد الأخوة أجرى عملية جراحية، وسأل الطبيب عن مدة العملية. ثم دخل غرفة العمليات وسأل الممرض عن الساعة، ثم فقد الوعي. عندما استيقظ، شعر وكأنها ثوانٍ، بينما كانت في الواقع ساعات. هذا يؤكد كيف يتلاشى إدراك الوقت في لحظات فقدان الوعي.
إدراك هذه الحقيقة العميقة حول طبيعة الزمن يمنحنا رؤية أوضح للمستقبل ويساعدنا على اتخاذ قرارات أكثر صوابًا وعقلانية، بعيدًا عن الخداع الذي تفرضه علينا النظرة السطحية للوقت. أعمارنا أقصر بكثير مما نتصور إذا استثنينا فترات الطفولة المبكرة وفترات النوم من لحظات الإدراك الواعي. وهذا الفهم يقودنا إلى فهم أعمق لقوله تعالى:
"إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا" [المعارج: 6-7].
وكذلك مفهوم "من مات قامت قيامته"، فشعور الميت بالزمن يتوقف بمجرد الوفاة.أسئلة للنقاش:
- هل سبق لك أن شعرت بأن الوقت يمر بسرعة أو ببطء بشكل ملحوظ؟ وما هي الظروف والأحداث التي أدت إلى هذا الشعور؟
- هل تتفق مع فكرة أن النوم "يلغي" جزءًا من إدراكنا للوقت؟
أتمنى أن يكون هذا الحديث قد أثار لديكم بعض التفكير حول طبيعة الزمن. بارك الله في أوقاتنا جميعًا. والسلام عليكم.
تعليقات: 0
إرسال تعليق